الشيخ أحمد فريد المزيدي
321
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
وهذه بعض أحوال القوم ، فاحرص يا أخي على العمل في نجاة نفسك ، وخلاصها ، وعتقها من رقّ مذلّة الهوى ، والانقياد إلى مسامرة أهل الدنيا ، فقلّ نفس ذاقت من سهو الغفلة قطرة إلا أورثها ذلك قسوة أسكرت العقل ، وأذهلت المعرفة ، وجعلت للفتنة مدخلا حفيفا . فمن رفع ستر الآفات انكشف له ستر الانطواء ، ولم يتروّح نسيم لذّة المعاملة . ولقد فاز قوم نظر إليهم وليّهم فدلّهم على مختصر الطّريق ، وأوقفهم على محجّة النّجاة ، وألاح لهم خفيّ فهم الدّعوة إلى المسارعة ، بالمناقشة ، عند فهم الخطاب ، إذ يقول عزّ وجلّ : وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [ آل عمران : 133 ] ، فنهضت العقول مستحثّة للجوارح ، بحسن التّوجه لإقامة ما به يحظون عند من استجابوا لدعوته ، وقرّت العيون بما أورد على قلوبهم من السّرور بالخلوة ، به خلا بين أناس أكياس ، لا يرهبون في الطريق إليه غيره ، ولا يتوسّلون إليه إلا به ، ولا يسألونه شيئا غير إدامة التّمتّع بخدمته ، وحسن المعونة على موافقته . قد أيست منهم الأعداء ، وأماتت عنهم الخشية الهوى ، وأقرّت بهم عيون الأحباء ، لا يرون نائلا هو أعظم مما نالوا ، ولا يبتغون بما أنعم عليهم بدلا ، ولا يريدون عنه حولا ، صفّاهم العلم ، وأدبتهم المعاملة ، وأعزهم الانقطاع إلى اللّه تعالى ، وأغناهم عمن سواه . هم طلبة اللّه وطلابه ، ومحبّو اللّه وأحبّاؤه ، هاموا شوقا إلى رؤيتهم ، وحسرة على مفارقتهم ، وسرّوا بمحادثتهم ، أرادهم اللّه فأرادوه ، وطلبوا اللّه فوجدوه . فمن أراد النجاة فليتعجّل روح الحياة ، بطلب الوصول إلى مناه ، فإنّ اللّه منية الأولياء ، وبغية العقلاء ، وطلبة الأصفياء ؛ ولولاه ما اهتدوا إليه ، ومن ذكرهم دلّهم عليه ، لم يتعسّفهم فيما ألزمهم ، ولم يحمّلهم ما لا يطيقونه ، وخلاصهم من العذاب الوبيل ، ودلّهم على سبيل الشّكر المرضيّ عنده ، وألّف بينهم وبين النظراء من الأشباه والأشكال ، وصان قلبهم وأبصارهم وأسماعهم عن الدنوّ إلى الخناء ، واتّقوا من محادثة شيء منها ، مما يفنى ، ولم يخلّهم ونفوسهم ، ولم يؤاخذهم بتقصيرهم ، بل أنعم عليهم بجميل قبول العذر في حين القبول ، وتجاوز لهم عمّا عجزت عنه أبدانهم ، وأوقفهم على جميل الصّحبة ، وكثرة الأيادي بالحفظ بالأمم السابقة بحسن التثقيل ، وهانت عليهم مصائب الدنيا ، وألفوا ما اختار لهم وليّهم ، قربانهم التّقديس والتّسبيح والتّحميد والتّهليل ، وراحتهم وقرّة عيونهم في